القاضي عبد الجبار الهمذاني
424
المغني في أبواب التوحيد والعدل
وبعد ، فإنا قد علمنا الآن أن من المكلفين من قد كلف الشاق وإن لم يكن عاصيا كالأنبياء وغيرهم ؛ وإن كان في ابتداء التكليف لا يحسن تكليف الشاق على ما ذكروه فيجب فيمن استمر على الطاعة ولم يعص ، أو تاب من معاصيه ، أن تكون هذا حاله . وعلمنا بخلافه يقضى ببطلان قولهم . فإن قالوا : إنه جل وعز لم يكلف من خلقه في الأول في الجنة مع الصحة والسلامة والنعمة ، لكنهم ألزموا أنفسهم عند مشاهدة آثار النعم القيام بالشكر والعبادة فصاروا مكلفين لأنفسهم . فلما عصوا فيما التزموه صاروا في حكم من أوجب النذر ولم يفته ، فحسن منه تعالى أن يكلفهم الشاق . فصار تكليف / الشاق من اللّه تعالى هو الابتداء ، لكنه على معصية تقدّمت منهم فيما التزموه لا فيما كلفوه ، ولا يلزم ما ذكرتم . قيل له : إن هذا كلام من لا يعرف حقيقة التكليف ؛ وذلك أنه تعالى إنما يحصل مكلفا بالإعلام والتعريف ، إما على وجه الاضطرار ، أو نصب الأدلة . فمتى فعل ذلك ، فلا بد من أن يريد ما كلف ويأمر به ، فيحصل مكلفا موجبا . وليس يصير الواجب واجبا إلا على هذه الطريقة ؛ لأنه لا علة يجب لأجلها يجرى مجرى العلم في إيجابه كون العالم عالما « 1 » . وقد بينا ذلك فيما سبق . وإذا صح ذلك ، فالذين خلقهم اللّه تعالى في الجنة ما التزموه « 2 » وألزموا أنفسهم من شكر وعبادة لا يخلو من وجهين : إما أن يعلموا باضطرار أو بدليل وجوب ذلك عليهم ؛ وذلك يقتضي أنه تعالى قد كلفهم إذا كانوا على سائر الصفات التي يكون عليها المكلف ، وإن كان ما التزموه لا يعلم وجوبه وإلزامهم ذلك أنفسهم قبيح . وإذا كان قبيحا ، فالامتناع منه لا يوجب العقوبة ، بل فعله هو الموجب للعقوبة .
--> ( 1 ) المراد أن حصول العلم في العالم هو العلة في كونه عالما ، ولا علة غير ذلك تجرى هذا المجرى . ( 2 ) أي الّذي التزموه .